في ظل الطفرة العالمية التي تعرفها كرة القدم، تتجه الأنظار نحو الاتحاد الدولي لكرة القدم باعتباره الجهة التي تدير واحدة من أضخم الصناعات الرياضية في العالم، خاصة مع توقعات بتحقيق إيرادات قياسية قد تصل إلى 11 مليار دولار خلال نهائيات كأس العالم 2026. هذا الرقم يعيد إلى الواجهة النقاش حول مسارات هذه الأموال وكيفية توزيعها بين التطوير والاستثمار والنفقات.
ويفتح هذا الملف تساؤلات جوهرية حول مدى استفادة كرة القدم العالمية من هذه العائدات، وحدود الشفافية في تدبيرها، والجهات التي تحصد النصيب الأكبر من هذه المنظومة المالية المعقدة.
من الهواية إلى صناعة المليارات
لم تكن كرة القدم دائمًا بهذا الحجم الاقتصادي، إذ شكلت نسخة كأس العالم 1974 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الفيفا، حيث بدأت ملامح التحول إلى مؤسسة مالية كبرى. ويُعد هورست داسلر، نجل مؤسس أديداس أدولف داسلر، من أوائل من أدخلوا مفهوم التسويق الرياضي الحديث إلى الفيفا، عبر جلب الرعاة الرسميين واستثمار القيمة التجارية للبطولات.
حقوق البث.. العمود الفقري للإيرادات
تشكل حقوق البث التلفزيوني المصدر الأكبر لإيرادات الفيفا، إذ تعتمد على بيع حقوق نقل البطولات، وفي مقدمتها كأس العالم، إلى شبكات إعلامية حول العالم. هذا الطلب الهائل على متابعة المباريات مباشرة يجعل من البث التلفزيوني المنتج الأكثر قيمة في سوق الرياضة.
وقد سجلت دورة كأس العالم 2022 في قطر إيرادات بلغت نحو 7.568 مليارات دولار خلال الفترة بين 2019 و2022، في مؤشر واضح على النمو المتواصل، تقوده بالأساس عائدات النقل التلفزيوني.
التسويق والرعاة.. شراكات بمليارات الدولارات
إلى جانب البث، تمثل حقوق التسويق ركيزة أساسية في اقتصاد الفيفا، حيث تقوم على شراكات استراتيجية مع علامات تجارية عالمية تحصل على امتيازات حصرية مقابل استثمارات ضخمة.
وقد بلغت هذه العائدات حوالي 1.66 مليار دولار قبل 2018، قبل أن تشهد تراجعًا ملحوظًا إلى نحو 131 مليون دولار في 2021، في ظل إعادة هيكلة نموذج الرعاية. ورغم ذلك، يظل كأس العالم المنصة الإعلانية الأضخم عالميًا، بفضل قاعدة جماهيرية تُقدّر بنحو 5 مليارات مشاهد.
التذاكر والضيافة.. دخل مباشر من الجماهير
تشكل مبيعات التذاكر وباقات الضيافة مصدرًا مباشرًا للدخل، تديره الفيفا عبر شركات تابعة، ما يمنحها تحكمًا كاملاً في التسعير والتوزيع.
ففي دورة 2015-2018 بلغت الإيرادات نحو 712 مليون دولار، بينما سجلت كأس العالم 2022 ذروة هذا المسار ببيع حوالي 3 ملايين تذكرة، بأسعار تراوحت بين 100 و1100 دولار، في انعكاس واضح لقيمة الحدث عالميًا.
مصادر إضافية.. من الملاعب إلى العالم الرقمي
لا تتوقف موارد الفيفا عند هذه الحدود، بل تمتد إلى استغلال علامتها التجارية عبر حقوق الترخيص، خاصة في الألعاب الإلكترونية والمنتجات الرقمية، وهو ما يفتح قنوات دخل إضافية بعيدة عن المباريات نفسها.
أموال ضخمة وأسئلة مفتوحة
ورغم تنوع مصادر الإيرادات، يبقى السؤال الأهم: كيف تُصرف هذه الأموال؟
بين دعم الاتحادات الوطنية، وتمويل برامج تطوير كرة القدم، وتغطية النفقات التشغيلية، تظل المطالب قائمة بمزيد من الشفافية، لضمان توزيع عادل يعكس الطابع العالمي للعبة.
ومع اقتراب مونديال 2026، تبدو الفيفا أمام اختبار جديد، ليس فقط في تنظيم بطولة استثنائية، بل أيضًا في إدارة ثروة مالية ضخمة تضعها مجددًا تحت مجهر المتابعة العالمية.

